لماذا نسب الله الى نفسه المكر و الاستهزاء و لم ينسب الكذب و الخيانة ؟

سؤال جميل طُرح عليّ:

إذا كان القرآن يقول:﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾

ويقول:﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾

ويقول:﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾،

فلماذا لا نجد تعبيرًا مثل: كذبوا وكذب الله أو خانوا وخانهم الله؟

الإمام الرضا (عليه السلام) حسم أصل المسألة عندما قال:

(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَسْخَرُ وَلَا يَسْتَهْزِئُ وَلَا يَمْكُرُ وَلَا يُخَادِعُ، وَلَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ السُّخْرِيَةِ وَجَزَاءَ الِاسْتِهْزَاءِ، وَجَزَاءَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ).

 الإمام لا يقول إن المكر الإلهي هو نفس المكر البشري ولكنه ممدوح، وإنما ينفي حقيقة هذه الأفعال عن الله:

«إن الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة».

إذن وفق هذه الرواية، عبارة ﴿ومكر الله﴾ ليست إجازة للمكر القبيح في حق الله أصلًا، بل القرآن سمّى الجزاء باسم الفعل الذي استوجب ذلك الجزاء. مع ان المكر الإلهي ليس مذموما في ذاته لأنه جزاء العمل.

وهذه النقطة تغيّر صياغة السؤال قليلًا؛ فلا نقول: لماذا أجاز الله لنفسه المكر ولم يجز لنفسه الكذب؟، لأن الإمام الرضا يقول أصلًا: الله لا يمكر بهذا المعنى.

 الشيخ الطوسي أعطانا المفتاح الدقيق للفرق

عند تفسير قوله تعالى:﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾

يقول الشيخ الطوسي في التبيان إن “المكر والغدر” بينهما فرق مهم:  المكر ليس مساويًا للخيانة من الناحية الدلالية.

الخيانة تتضمن في حقيقتها نقض حق أو عهد أو أمانة. أما كلمة المكر فيمكن أن يراد بها في السياق القرآني تدبير الجزاء من حيث لا يشعر الماكر، أو أن يسمى الجزاء مكرًا لمقابلة مكرهم.

والأهم أن الشيخ الطوسي نفسه، عند آية الخيانة:

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾

يشرح الخيانة بأنها نقض العهد والطاعة، ثم يفسر ﴿فأمكن منهم﴾ بأن الله مكّن نبيه منهم وغلبهم. فالآية نفسها لم تقل: فخانهم، بل انتقلت من فعلهم الخيانة إلى الجزاء الحقيقي: ﴿فأمكن منهم﴾. 

العلامة ابن إدريس الحلي، في نقله من تفسير التبيان، يقول:(المكر وإن كان قبيحًا، فإنما أضافه تعالى إلى نفسه لمزاوجة الكلام).

ويضرب مثالًا بقوله تعالى:﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.ثم يوضّح أن الفعل الثاني ليس اعتداءً حقيقة، وإنما هو جزاء. 

وهذا مهم جدًا لفهم المسألة.

الله يقول: ﴿فاعتدوا عليه﴾، لكن القصاص العادل ليس عدوانًا حقيقة.

وبنفس الطريقة يقول: ﴿ومكروا ومكر الله﴾، مع أن مكر الله وفق هذا الاتجاه التفسيري ليس المكر القبيح الذي صدر منهم.

ولكن يبقى السؤال الذكي: لماذا تصلح المشاكلة مع المكر، ولا تصلح مع الكذب او الخيانة؟

هنا وجدت مفتاحًا مهمًا و هو في معنى الكذب 

ما معنى الكذب؟ المعنى أن تُخبر بخلاف الواقع.

فلو قلنا وحاشا لله (كذبوا فكذب الله)، فما هو الفعل الإلهي الصحيح الذي سنسميه كذبًا؟ لا يوجد.

الله إذا جازاهم فقد صدق وعده بعقاب الكاذبين، وإذا كشف كذبهم فقد أظهر الحقيقة، وإذا عاقبهم فقد عدل فيهم. لا يوجد في هذا الجزاء فعل يكون (الإخبار بخلاف الواقع ) حتى تصلح كلمة الكذب للمشاكلة بهذا الأسلوب.

أما المكر والاستهزاء والخداع في هذه الآيات، فيوجد أثر مقابل يمكن أن يُعبّر عنه بلفظ فعلهم: هم دبّروا في الخفاء فجاءهم تدبير الله من حيث لا يحتسبون؛ هم ظنوا أنهم يخدعون المؤمنين، لكن سيتفاجؤون أن عاقبة خداعهم ترجع إليهم؛ هم استهزؤوا لإهانة المؤمنين، و لكن سيتفاجؤون أنهم هم موضع الهوان والجزاء.

اما بالنسبة إلى الخيانة نقول:

الخيانة مرتبطة بالأمانة والعهد.

ولهذا من الجميل جدًا أن القرآن نفسه أعطانا المثال:

لم يقل:خانوا الله فخانهم. بل قال:﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾.

أي: ذكر الجريمة باسمها عندهم، لكنه عندما وصل إلى فعل الله ذكر الجزاء الحقيقي ولم يسمه خيانة.  فالخيانة نقض للعهد والطاعة. و الله منزه عن ذلك و لا يوجد معنى للمقابلة يكون مشتركا في اللفظ و لكن فيه حكمة و جزاء من الباطن. و الله تعالى أعلم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اخر المشاركات