مجموعة اسئلة تأملية في الآيتين من سورة النساء ١٦٢-١٦٣

 

أسئلة تأملية من أحد المتابعين في قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ و﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾

قال تعالى:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾[النساء: 163]

ثم قال سبحانه:

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ۝ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[النساء: 164-165]

تثير هذه الآيات عدة أسئلة:

لماذا قال الله أولًا: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾، مع أن هذا التعبير يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، ثم عاد فذكر هؤلاء بأسمائهم؟

ولماذا عبّرت الآية الأولى بـ﴿النبيين﴾، ثم جاء التعبير في الآية التالية بـ﴿رسلًا﴾؟

وهل لهذا الانتقال علاقة بالفرق بين النبي والرسول؟

وما المراد بقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؟

وهل يعني عدم قصصهم أن النبي محمدًا ﷺ لم يكن يعلم بهم، أم أن الآية تنفي ذكر قصصهم فحسب دون أن تتعرض لمقدار علم النبي ﷺ بهم؟

هذه الأسئلة ليست تدقيقًا زائدًا في الألفاظ؛ فالقرآن كثيرًا ما يغيّر التعبير داخل السياق الواحد، ويكون لاختيار اللفظ جهة من المعنى تستحق التأمل.


أولًا: هل الآيات في سياق واحد؟

نعم والظاهر من السياق أن الآيات مترابطة.

بل يرجع العلامة الطباطبائي بسياق الكلام إلى الآية السابقة:

﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾
[النساء: 162]

ثم جاء قوله:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾.

فالآيات تربط الوحي المنزل على النبي محمد ﷺ بسلسلة الوحي التي سبقته، وتقرر أن بعثته ليست حادثة منفصلة عن تاريخ النبوة.

ويعبّر العلامة الطباطبائي عن ذلك بأن الأمر جرى على «نهج واحد لا اختلاف فيه».

أي إن أصل الوحي الإلهي والهداية عن طريق الأنبياء والرسل سنّة جارية في تاريخ البشر، وإن اختلفت الشرائع والأزمنة والتفاصيل.

ثم ينتقل السياق إلى وظيفة أولئك المرسلين:

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾

ثم يبين الغاية:

﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

وبذلك يمكن ملاحظة ثلاثة معانٍ متتابعة في المقطع:

وحدة مصدر الوحي، ووظيفة الرسالات، وإقامة الحجة على البشر.

المصدر: العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل الآيات 163-165 من سورة النساء.

ثانيًا: لماذا قال ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ثم ذكر أسماء بعض الأنبياء؟

قوله تعالى:﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ تعبير عام يشمل الأنبياء الذين جاؤوا بعد نوح عليه السلام.

ومن بينهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وغيرهم.

فلماذا دخلوا أولًا في العموم ثم ذُكر بعضهم بأسمائهم؟

ذكر الشيخ الطبرسي في مجمع البيان أن إعادة ذكر هؤلاء بعد دخولهم في عموم ﴿النبيين من بعده﴾ جاءت تعظيمًا لأمرهم وتفخيمًا لشأنهم.

وهذا من الأساليب المعروفة في العربية: ذكر الخاص بعد العام.

فالآية تبدأ بالقانون العام:

أن الله أوحى إلى النبيين بعد نوح.

ثم تستخرج من هذا الجمع عددًا من أعلام تاريخ النبوة، فتذكرهم بأسمائهم.

ولا يكون ذلك تكرارًا خاليًا من الغرض؛ لأن ذكر الاسم بعد دخوله في العموم يلفت النظر إليه ويبرز مكانته.

ويشير العلامة الطباطبائي كذلك إلى مناسبة أخرى للسياق، وهي أن هؤلاء الأنبياء كانوا معروفين عند أهل الكتاب، وكانوا يعرفون أصل بعثتهم ودعوتهم.

كما تعرض الآيات صورًا مختلفة من الصلة الإلهية بأنبيائه: فهذا أوحي إليه، وداود أوتي الزبور، وموسى كلّمه الله تكليمًا.

إذن انتقلت الآية من:

القاعدة العامة: الوحي إلى النبيين

إلى:

ذكر نماذج وأعلام مخصوصين من تاريخ النبوة والوحي.

المصادر:
الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، تفسير سورة النساء، الآية 163.
العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل الآيات نفسها.


ثالثًا: لماذا قال أولًا ﴿النبيين﴾ ثم قال ﴿رسلًا﴾؟

هذه من أدق نقاط الآيات.

الآية الأولى تقول:

﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾.

بينما تقول الآية التالية:

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.

وقد ذكر المفسرون في نصب ﴿رسلًا﴾ أكثر من وجه، فمنهم من جعله منصوبًا بفعل مقدّر يفسره قوله ﴿قصصناهم﴾، ومنهم من ربطه بما تقدّم من المذكورين الذين أوحى الله إليهم.

ولهذا لا يصح أن نبني على اختلاف اللفظ وحده قسمة حادة فنقول إن الآية الأولى تتحدث عن النبوة وحدها والثانية عن الرسالة وحدها.

لكن مع ذلك توجد لطيفة سياقية تستحق التأمل.

فالآية الأولى يظهر فيها بوضوح جانب الوحي:

﴿أَوْحَيْنَا... وَالنَّبِيِّينَ﴾.

وعندما جاء التعبير بـ﴿رسلًا﴾ أعقبه مباشرة وصف الوظيفة:

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾

ثم بيان الغاية من إرسالهم:

﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

لذلك يمكن أن يقال إن اختيار لفظ ﴿رسلًا﴾ هنا يناسب انتقال السياق إلى جهة الإرسال والتبشير والإنذار وإقامة الحجة.

وهذه دلالة سياقية يمكن ترجيحها، ولكن لا ينبغي تحويلها إلى قاعدة قطعية تقول إن لفظ النبي لا يستعمل إلا في تلقي الوحي، وإن لفظ الرسول لا يستعمل إلا في التبليغ.

فالاستعمال القرآني أوسع وأدق من ذلك.


رابعًا: ما الفرق بين النبي والرسول؟

ترتبط الآيات بمسألة الفرق بين النبي والرسول، ولكنها ليست في مقام تقديم تعريف اصطلاحي كامل لهما.

ومن الشواهد المهمة في القرآن قوله تعالى في موسى عليه السلام:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾
[مريم: 51]

فالقرآن جمع الوصفين في شخص واحد.

ويعرض العلامة الطباطبائي في بحث النبوة القول المشهور القائل بوجود عموم وخصوص بين النبي والرسول، ثم يناقش كفاية هذا التصور لفهم الاستعمال القرآني.

ويشير إلى أن النبي يرتبط من جهة اللفظ بحمل النبأ الإلهي و إخبار الناس بما عنده من خبر الغيب والهداية، بينما الرسول له جهة الإرسال برسالة ومأمورية خاصة.

ولذلك فالمسألة أدق من اختزالها في عبارة واحدة جامدة.

وماذا ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام؟

ورد في الكافي، في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدَّث، أكثر من رواية، وينبغي التفريق بينها وعدم جمع ألفاظها كأنها حديث واحد.

ففي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام ورد أن الرسول يأتيه جبرئيل قُبُلًا فيراه ويكلمه، وأن النبي يرى في منامه.

وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام ورد أن النبي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، بينما الرسول يعاين الملك ويكلمه.

وفي رواية عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ورد أن النبوة والرسالة قد تجتمعان في شخص واحد.

فيمكن أن نستفيد من مجموع الآيات والروايات أن القرآن يستعمل كل وصف بحسب الجهة التي يريد إبرازها، وأن النبوة والرسالة قد تجتمعان في الشخص نفسه.

ولهذا يكون التعبير بـ﴿رسلًا﴾ في سورة النساء مناسبًا لما تلاه من البشارة والإنذار وإقامة الحجة، من غير أن يعني ذلك انفصالًا تامًا بين النبوة والرسالة.

المصادر:
العلامة الطباطبائي، الميزان، «كلام في النبوة».
الكليني، الكافي، ج1، باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدَّث، ص176 بحسب بعض الطبعات.


خامسًا: ماذا يعني قوله تعالى ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؟

هذه الآية تثبت بوضوح أن الرسل الذين ذكر القرآن أسماءهم وقصصهم ليسوا جميع من بعثهم الله إلى البشر.وقد جاء المعنى نفسه في سورة غافر:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾غافر: 78

كما يقول تعالى:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾النحل: 36

ويقول:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ يونس: 47

ويقول:

وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فاطر: 24

وهذه الآيات تفتح أمامنا معنى واسعًا:

أن تاريخ الهداية الإلهية للبشر أوسع بكثير من الأسماء والقصص التي وردت في القرآن.

لكن القرآن لم ينزل ليكون سجلًا تاريخيًا ليذكر أسماء جميع الأنبياء والرسل والأمم.

وإنما يختار من القصص ما يؤدي غرض الهداية.

قال تعالى:﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾هود: 120

وقال:﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يوسف: 111

فمعيار القصص القرآني هو:

الهداية، والعبرة، وتثبيت القلب، وإتمام الحجة.

وليس الاستيعاب التاريخي لكل الأشخاص والأحداث.


سادسًا: هل ورد عن أهل البيت عليهم السلام شيء يتعلق بالرسل الذين لم يقصصهم القرآن؟

نعم، وقد وردت رواية مرتبطة مباشرة بهذه الآية.

روى الكليني في روضة الكافي عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام، في حديث طويل يتحدث عن مرحلة من التاريخ بين آدم ونوح عليهما السلام، وأن طائفة من الأنبياء كانوا مستخفين.

وجاء فيه:«وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن، فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين».

ثم يربط الحديث ذلك بقوله تعالى:

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.

ويفسر عدم القصص في هذا المورد بمعنى أنهم لم يسمَّوا في القرآن كما سُمِّي المستعلنون.

وهذه الرواية مهمة لأنها تكشف عن أحد مصاديق قوله تعالى ﴿رسلًا لم نقصصهم عليك﴾.

لكن ينبغي الانتباه إلى أمرين:

الأول: أن الرواية تتحدث عن طائفة معينة من الأنبياء، وهم المستخفون في تلك المرحلة، فلا يصح أن نعمم سبب الاستخفاء على جميع الرسل الذين لم يقصصهم القرآن.

والثاني: أن في سند الرواية بحثًا رجاليًا، ولذلك يمكن ذكرها شاهدًا مؤيدًا في تفسير أحد مصاديق الآية، دون أن نجعلها وحدها دليلًا قطعيًا على جميع من لم يذكرهم القرآن.

والرواية مروية كذلك في مصادر أخرى، منها كمال الدين وتفسير العياشي.

المصدر:
الكليني، روضة الكافي، ج8، في بعض الطبعات ص114 وفي أخرى ص115؛ ولذلك الأفضل اعتماد رقم الحديث بحسب الطبعة المستخدمة.

سابعًا: هل قوله ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يعني أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بهم؟

هنا يجب التفريق بين أمرين:

عدم القصص، وعدم العلم.

فالآية قالت:﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾

ولم تقل:لم نعلِّمك بهم

ولا قالت:لا تعلمهم

فالمتيقن من مدلول الآية هو أن الله لم يقصص هؤلاء الرسل على النبي ﷺ في هذا البيان القرآني.

أما مقدار علم النبي ﷺ بهم من طريق آخر، فهذه مسألة تحتاج إلى دليل مستقل.

ولذلك لا يصح أن نستدل بهذه الآية وحدها فنقول:إن النبي ﷺ كان قطعًا لا يعرف هؤلاء الرسل.

كما لا يصح أن نستدل بها وحدها على الطرف المقابل فنقول:إنه كان يعرف أسماءهم وقصصهم جميعًا.

فالآية في ذاتها لا تحسم هذه المسألة.

ويؤيد إمكان التفريق بين عدم القصص وعدم العلم ما ورد في رواية الأنبياء المستخفين؛ إذ فسرت عدم القصص في مورد تلك الطائفة بعدم تسميتهم في القرآن.

وهذا لا يثبت وحده أن النبي ﷺ كان يعلم بجميع أسمائهم، لكنه يوضح أن عبارة ﴿لم نقصصهم عليك﴾ لا تساوي بالضرورة عبارة «لم تكن تعلم بهم».

إذن:

عدم القص في القرآن شيء، ونفي العلم المطلق عن النبي ﷺ شيء آخر.

وكل واحد منهما يحتاج إلى دليله و بعد البحث لم أعثر على دليل يدل على أي من الطرفين.


ثامنًا: هل يتعارض ذلك مع ما ورد في سعة علم النبي ﷺ؟

هنا ينبغي أولًا التفريق بين سعة علم النبي ﷺ وبين كون العلم ذاتيًا مستقلًا.

فالقرآن يقرر أن علم الغيب بالأصالة والاستقلال لله تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾الجن: 26-27

فالاستثناء نفسه يدل على أن الله يمكن أن يُطلع من ارتضى من رسله على ما يشاء من غيبه.وعليه، فإن الاعتقاد بسعة علم النبي ﷺ لا يعني أن علمه قائم بذاته ومستقل عن الله تعالى، وإنما ما عنده من علوم غيبية فهو بتعليم الله وإفاضته وإذنه.

ومن هنا، إذا قام دليل معتبر على أن الله أطلع النبي ﷺ على أمر من أمور السابقين أو اللاحقين، قُبل ذلك الدليل.

أما في خصوص الرسل الذين قال الله عنهم:﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾

فلا يمكن أن نجعل هذه الآية وحدها دليلًا على أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بهم، كما لا يمكن جعلها وحدها دليلًا على أنه كان يعلم أسماءهم وقصصهم جميعًا.

فالآية تتكلم عن القصص، وأما مقدار العلم فهو بحث آخر. 


تاسعًا: ماذا نفهم من رواية «فجمع له كل وحي»؟

نقل العلامة الطباطبائي في البحث الروائي عن زرارة وحمران، عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، في قوله تعالى:

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾

أنهما قالا في المعنى:«فجمع له كل وحي».

ويشرح العلامة الطباطبائي الرواية بما يمنع من فهمها على أن كل جزئية أو كل تفصيل أوحي إلى كل نبي قد أعيد بعينه للنبي محمد ﷺ.

وإنما يرجع المعنى إلى وحدة أصل طريق الهداية والوحي الإلهي، وأن الدعوة المحمدية ليست طريقًا خارجًا عن سنّة الله في أنبيائه.وهذا يعيدنا إلى مفتاح الآيات كلها:

إن الرسالات الإلهية سلسلة واحدة من حيث المصدر والغاية العامة، وإن اختلفت الشرائع والأحكام والتفاصيل والأزمان.

فمحمد ﷺ ليس بدعًا من الرسل، والوحي الذي جاءه امتداد لتلك السنّة الإلهية في هداية الإنسان.


الخلاصة

يمكن تلخيص البحث في أربع نقاط:

أولًا: قوله تعالى ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ تعبير عام، ثم ذُكر بعض الأنبياء بأسمائهم بعد دخولهم فيه؛ وقد ذكر الشيخ الطبرسي أن ذلك لتعظيم أمرهم وتفخيم شأنهم. فهو من ذكر الخاص بعد العام، وليس تكرارًا بلا غرض.

ثانيًا: الانتقال من لفظ ﴿النبيين﴾ إلى ﴿رسلًا﴾ ينسجم مع ما أعقبه من وصفهم بالمبشرين والمنذرين وإقامة الحجة بالرسل. وهذه دلالة سياقية راجحة، لا يلزم منها فصل حاد بين النبوة والرسالة؛ فالقرآن نفسه يجمع الوصفين في قوله ﴿رَسُولًا نَّبِيًّا﴾.

ثالثًا: قوله تعالى ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يدل على أن تاريخ الهداية الإلهية أوسع من الأسماء التي ذكرها القرآن. وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في رواية الأنبياء المستخفين تفسير عدم القص في مورد طائفة منهم بعدم تسميتهم في القرآن. وهذا يمثل أحد مصاديق عدم القصص، ولا يلزم تعميم سببه على جميع الرسل الذين لم يذكروا.

رابعًا: قوله ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ لا يساوي قوله «لم تعلم بهم». فالآية تنفي القصص، أما مقدار علم النبي ﷺ بهؤلاء الرسل فيحتاج إلى دليل آخر. وسعة علم النبي ﷺ لا تعني علمًا مستقلًا عن الله، بل ما يعلمه من الغيب إنما هو بتعليم الله وإذنه.

وبذلك يظهر أن دقة التعبير القرآني في هذا المقطع تكشف عن أكثر من معنى في الوقت نفسه:

وحدة طريق الوحي، وتعدد الأنبياء والرسل، وانتقاء القرآن من تاريخهم ما تتحقق به الهداية والعبرة، ثم بيان الغاية الكبرى من الرسالات:

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

والله سبحانه أعلم بمراده.


التمر: ثمرة صغيرة ونظام عجيب من الخلق

 

آيات في الخلق | التمر: ثمرة صغيرة ونظام عجيب من الخلق

قد نأكل التمرة في ثوانٍ، ونرمي نواتها دون أن نتوقف عند ما حدث قبل أن تصل إلى أيدينا. لكن القرآن يلفت نظر الإنسان إلى شيء أدق من مجرد أكل الثمرة؛ يطلب منه أن ينظر إلى تكوّنها ونضجها:

﴿انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
الأنعام: 99.

كلمة «انظروا» هنا تفتح بابًا مهمًا: لا تمرّوا على الثمرة باعتبارها شيئًا مألوفًا فقط، بل انظروا إلى بدايتها، وتحولاتها، ونضجها. وهذا بالضبط ما يكشفه لنا العلم اليوم بتفاصيل أدق.

كيف تبدأ التمرة؟

نخلة التمر Phoenix dactylifera نبات ثنائي المسكن؛ أي إن الأزهار الذكرية والأزهار الأنثوية توجد عادةً على نخيل منفصل. النخلة الذكرية تنتج حبوب اللقاح، أما النخلة الأنثوية فهي التي تحمل الثمار.

وتوضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO أن انتقال حبوب اللقاح إلى الأزهار الأنثوية ضروري لتكوين محصول جيد، ولذلك يعتمد إنتاج التمور التجاري بدرجة كبيرة على التلقيح المنظم، رغم إمكان حدوث التلقيح طبيعيًا بواسطة الرياح وبعض الحشرات.

إذن التمرة التي نراها ليست شيئًا ظهر فجأة على النخلة، بل هي نتيجة سلسلة مترابطة تبدأ بالزهرة، ثم وصول حبوب اللقاح والإخصاب، ثم تكوين الثمرة وبدء نموها.

وهنا يظهر أول موضع للتأمل: ثمرة واحدة هي نتيجة تعاون منظومة كاملة من خلايا وأزهار وحبوب لقاح وماء وضوء ومواد غذائية وآليات وراثية وهرمونية.

من ثمرة خضراء إلى تمر ناضج

لا تبقى ثمرة النخيل على حالة واحدة. الدراسات النباتية تقسم نموها إلى مراحل متتابعة، أشهرها: الحبابوك، ثم الكمري، ثم الخلال أو البسر، ثم الرطب، ثم التمر.

بعد الإخصاب تكون الثمرة صغيرة، ثم يزداد حجمها ووزنها. وفي مرحلة الكمري تكون خضراء وصلبة نسبيًا وغنية بالماء. ثم تصل إلى الخلال أو البسر، فتبلغ تقريبًا حجمها الكامل ويبدأ لونها بالتحول، بحسب الصنف، إلى الأصفر أو الأحمر.

بعد ذلك تأتي مرحلة الرطب، حيث يلين النسيج ويصبح اللون أغمق، ثم تصل الثمرة إلى مرحلة التمر المكتمل النضج، حيث تكون أقل رطوبة وأكثر ليونة أو تجعدًا بحسب الصنف.

وهذه التحولات ليست مجرد تبدّل في المظهر.

أثناء النضج تتغير طريقة عمل آلاف الخلايا داخل الثمرة؛ تتغير أنشطة الإنزيمات والتعبير الجيني والهرمونات النباتية، وتتغير السكريات والأحماض والأصباغ ومكونات جدار الخلية. ويتفكك جزء من البكتين في الأنسجة فيحدث الليونة، وتتغير المركبات المسؤولة عن القابضية، كما تتبدل كمية الماء والسكريات والطعم والرائحة واللون.

ويتأثر هذا كله بالصنف ودرجة الحرارة والضوء والماء وحالة الثمرة الهرمونية.

وهنا يصبح قوله تعالى:

﴿انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾

أعمق عندما نفهم مقدار التغير المنظم الذي يقع بين «إذا أثمر» و «ينعه».

القرآن لم يقدّم درسًا في كيمياء الثمار، ولا ينبغي أن ننسب إليه تفاصيل علمية لم يقلها؛ لكنه وجّه الإنسان إلى الظاهرة نفسها: تكوّن الثمرة ثم وصولها إلى النضج، وجعل ذلك موضعًا للنظر والإيمان.

الأعجب: ما الذي يوجد داخل النواة؟

بعد أكل التمرة تبقى النواة، وقد تبدو شيئًا صلبًا لا قيمة له. لكن داخل بذور النخيل يوجد جنين نباتي صغير، تحيط به أنسجة غنية بالمواد المخزنة التي يستخدمها الجنين في بداية الإنبات.

في نخيل التمر يبقى جزء من البذرة مصدرًا للغذاء أثناء بداية نمو البادرة، وتنقل أنسجة متخصصة المواد الغذائية المخزنة إلى النبات الصغير وهو يشق طريقه خارج النواة.

أي أن تلك النواة الصغيرة تحتوي بالفعل على البنية التي يبدأ منها نبات جديد، ومعها المعلومات الوراثية التي توجه نموه.

وهذا لا يعني أن كل نواة ستنبت؛ فالإنبات يحتاج إلى بذرة حية وظروف مناسبة من الماء والحرارة والبيئة. لكن القدرة الموجودة أصلًا داخل تلك النواة تستحق التأمل.

نواة بقيت حية قرابة ألفي عام

من أكثر الحقائق إثارة في دراسة نخيل التمر أن باحثين نجحوا في إنبات بذور تمر أثرية شديدة القِدم.

في عام 2008 نُشرت في مجلة Science دراسة عن بذرة نخيل عُثر عليها في موقع أثري في مسادا، وأظهر التأريخ بالكربون المشع أنها تعود تقريبًا إلى القرن الأول الميلادي. وبعد إنباتها نمت كبادرة نخيل طبيعية.

ثم جاءت دراسة أوسع نُشرت عام 2020 في Science Advances. زرع الباحثون 32 بذرة أثرية محفوظة جيدًا من عدة مواقع في صحراء يهودا، فنجحت ست بذور إضافية في الإنبات، لتنضم إلى البذرة الأولى. بعض العينات المؤرخة ترجع إلى الفترة بين القرون السابقة للميلاد والقرون الأولى للميلاد؛ أي ما يقارب ألفي سنة.

لكن الدقة هنا مهمة جدًا:

هذا لا يعني أن نواة التمر تستطيع عادةً أن تعيش ألفي سنة.

الباحثون أنفسهم رجّحوا أن الجفاف الشديد وانخفاض الرطوبة والظروف البيئية الخاصة للمنطقة ساعدت على حفظ تلك البذور، وما زالت الآليات التي سمحت بهذا البقاء الطويل موضوعًا للبحث.

والمدهش ليس أن نستخدم هذه القصة لإطلاق ادعاء خارق، بل أن نرى إلى أي حد يمكن للحياة أن تبقى كامنة داخل بنية صغيرة عندما تتوافر ظروف الحفظ المناسبة.

ماذا يقول القرآن عن الحكمة في خلق النخيل والتمر؟

لا يصح أن نحدد من عندنا «سببًا وحيدًا» خلق الله التمر من أجله، لكن القرآن نفسه يبين لنا جوانب واضحة من الحكمة.

أولها الرزق.

يذكر الله النخل ثم يقول:

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ۝ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾
ق: 10-11.

فالطعام الذي يخرج من الأرض ليس مجرد مادة غذائية في التصور القرآني، بل رزق؛ شيء ينتفع به الإنسان ويذكّره بمن أنشأه وهيأ أسبابه.

والجانب الثاني هو التفكر.

قال تعالى:

﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرعَ وَالزَّيتونَ وَالنَّخيلَ وَالأَعنابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ ۗ إِنَّ في ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ﴾
النحل: 11.

فالآية لا تكتفي بذكر النعمة، بل تنتقل من النعمة إلى التفكر.

وهنا نفهم أن ثمرة التمر تؤدي في حياة الإنسان أكثر من وظيفة: ينتفع بها جسده غذاءً، ويمكن أن ينتفع بها عقله عندما يتأمل النظام الذي مرت به حتى وصلت إليه.

والقرآن يعيد هذا المعنى مرة أخرى في سورة الأنعام حين يأمر بالنظر إلى الثمر عند ظهوره وعند نضجه.

لذلك يمكن أن نقول، اعتمادًا على النص القرآني، إن النخيل وثمره يظهران لنا جانبين على الأقل: رزق للإنسان، وآية تدعوه إلى النظر والتفكر.

ماذا يضيف التأمل إلى فهم الإنسان؟

الاعتياد يجعل الأشياء العجيبة تبدو عادية.

نرى الشمس كل يوم، والماء كل يوم، والبذور والثمار كل يوم، حتى يفقد العقل شعوره بدهشة وجودها.

لكن التأمل يعكس هذه العملية؛ يأخذ الشيء المألوف ويفككه أمام العقل.

فعندما تصبح التمرة في وعينا سلسلة من: زهرة، وتلقيح، وانقسام خلوي، ونمو، وتغير في اللون، وتنظيم للسكريات والماء والأنسجة، ثم نواة تحتوي جنينًا قادرًا على بداية حياة جديدة؛ فإننا لم نعد ننظر إلى التمرة كما كنا ننظر إليها قبل المعرفة.

وهذا أحد معاني التفكر الذي يربيه القرآن: ألا نكتفي برؤية الموجود، بل نسأل كيف تكوّن، وكيف انتظم، وما النعمة التي يحملها.

العلم هنا لا يلغي التأمل الإيماني؛ العلم يشرح لنا الآليات التي تجري بها الظاهرة، بينما التأمل يجعل الإنسان واعيًا بضخامة النظام الذي تسمح به هذه الآليات.

ماذا يوجد في التمر من فوائد غذائية؟

التمر غذاء كثيف نسبيًا بالطاقة؛ فالجزء الأكبر منه كربوهيدرات وسكريات طبيعية، ولذلك كان مصدرًا عمليًا للطاقة والغذاء القابل للحفظ والنقل.

لكنه ليس سكرًا فقط.

بحسب الصنف ودرجة النضج، يحتوي التمر أيضًا على الألياف الغذائية والبوتاسيوم والمغنيسيوم ومجموعة من المركبات النباتية، ومنها الأحماض الفينولية والفلافونويدات. وتختلف الكميات بصورة واضحة بين أنواع التمر ودرجات النضج وطرق التخزين والمعالجة.

تشير مراجعة علمية إلى أن بعض أصناف التمور تحتوي تقريبًا على 4.7–7.9 غرام من الألياف و525–864 مليغرامًا من البوتاسيوم لكل 100 غرام، لكن هذه الأرقام ليست ثابتة لكل الأصناف.

وجود الألياف من أكثر فوائده المباشرة وضوحًا. وفي تجربة بشرية عشوائية صغيرة شملت 22 شخصًا سليمًا، ارتبط تناول نحو سبع تمرات يوميًا، قرابة 50 غرامًا، لمدة 21 يومًا بزيادة عدد مرات التبرز مقارنة بفترة المقارنة. لكن حجم الدراسة صغير، لذلك لا ينبغي تحويل النتيجة إلى ادعاء علاجي عام.

كما يحتوي التمر على مركبات فينولية وفلافونويدات ذات نشاط مضاد للأكسدة في الدراسات المخبرية. أما الادعاءات الكبيرة من نوع أن التمر «يعالج السرطان» أو «يعالج أمراض القلب» أو غير ذلك، فالأدلة البشرية الحالية لا تكفي لإثباتها، وقد أكدت مراجعة علمية حديثة أن كثيرًا من التأثيرات المنسوبة للتمر ما زالت مستندة إلى تجارب مخبرية أو حيوانية أكثر من اعتمادها على تجارب سريرية قوية على البشر.

ومن المهم أيضًا ألا نصف التمر بأنه لا يرفع السكر.

فهو غني بالسكريات، والاستجابة له تختلف باختلاف الصنف والكمية والشخص. ففي دراسة على 17 صنفًا من التمر تراوح المؤشر السكري بين نحو 42.8 و74.6، أي إن الأصناف ليست متساوية في تأثيرها على سكر الدم.

ولهذا فإن القيمة الغذائية للتمر لا تعني أن تناوله بلا حدود مناسب للجميع، وخصوصًا لمن يحتاج إلى ضبط كمية الكربوهيدرات.

الخلاصة

أكثر ما يثير التأمل في التمر ليس كمية البوتاسيوم فيه ولا حلاوة مذاقه وحدهما.

العجيب هو القصة الكاملة.

زهرة صغيرة تُلقّح، ثم تبدأ خلايا الثمرة بالنمو. تتغير أنسجتها وأصباغها وماؤها وسكرياتها وقوامها وفق مراحل متتابعة، حتى تصبح ثمرة ناضجة. وفي داخلها نواة تحمل جنينًا يمكن أن يبدأ نخلة جديدة إذا توافرت له الظروف المناسبة.

ثم يأتي القرآن، قبل أن نعرف كل هذه التفاصيل المجهرية، فلا يطلب منا أن نمر بالثمرة مرورًا عابرًا، وإنما يقول:

﴿انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾.

ربما كانت التمرة صغيرة في أيدينا، لكن عندما ننظر إليها بعين المعرفة، نجد أمامنا نظامًا كاملًا من الحياة.

وهنا تتحول المعرفة من مجرد معلومة إلى تفكر، وتتحول النعمة التي اعتدنا عليها إلى آية في الخلق.

المصادر العلمية والقرآنية

  1. القرآن الكريم، سورة الأنعام 6:99؛ دعوة إلى النظر في الثمر عند الإثمار والنضج.

  2. القرآن الكريم، سورة النحل 16:11؛ ذكر النخيل وربطه بالتفكر.

  3. القرآن الكريم، سورة ق 50:10–11؛ ذكر النخل وكونه رزقًا للعباد.

  4. FAO، Pollination and Bunch Management؛ وصف نخيل التمر بأنه ثنائي المسكن وآلية التلقيح.

  5. Alqahtani NK et al., 2025، Quality preservation of date palm fruits at the Khalal stage، Frontiers in Sustainable Food Systems؛ مراحل نمو التمر والتغيرات الفسيولوجية والكيميائية أثناء النضج.

  6. Sallon S et al., 2008، Germination, genetics, and growth of an ancient date seed، Science؛ إنبات بذرة نخيل أثرية تقارب ألفي عام.

  7. Sallon S et al., 2020، Origins and insights into the historic Judean date palm، Science Advances؛ إنبات ست بذور أثرية إضافية ودراسة أعمارها وخصائصها الوراثية.

  8. University of Florida IFAS Extension، Palm Seed Germination؛ تركيب بذور النخيل ودور الجنين والإندوسبيرم أثناء الإنبات.

  9. Abdallah EM et al., 2026، Date palm fruits: nutrition, phytochemistry, and translational gaps in reported bioactivities؛ مراجعة نقدية حديثة للقيمة الغذائية وحدود الأدلة الصحية.

  10. Al-Dashti YA et al., 2021، Date Palm Fruit: Effects on Vascular Health and Future Research Directions؛ الألياف والمعادن والمركبات النباتية، مع بيان محدودية الأدلة البشرية.

  11. Eid N et al., 2015، تجربة بشرية عشوائية حول تناول التمر وصحة الأمعاء.

  12. AlGeffari MA et al.، دراسة المؤشر السكري لـ17 صنفًا من التمور؛ توضح اختلاف الاستجابة السكرية بين الأصناف.

مجموعة اسئلة قرآنية من أحد الإخوان في الآيتين ١٦٢ و ١٦٣ من سورة النساء

أسئلة تأملية لأحد الإخوان في هذه الآيتين: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ...﴾ [النساء: 163]، وقال سبحانه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ...﴾ [النساء: 164].

  1. لماذا قالت الآية أولًا: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ثم رجعت وذكرت أسماء أنبياء واحدًا واحدًا؟
    بما أن قوله تعالى ﴿والنبيين من بعده﴾ يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وغيرهم، فلماذا بعد ذلك قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ...﴾؟
    يعني : ما الحكمة البلاغية أو المعنوية من ذكر العام أولًا ثم تخصيص بعض الأسماء بعده؟ وهل في هذا التكرار دلالة معينة؟

  2. لماذا الآية 163 عبّرت بـ"النبيين"، بينما الآية التالية عبّرت بـ"رسلًا"؟
    هو لاحظ أن الأولى تقول:
    ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾
    ثم التي بعدها تقول:
    ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ... وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.
    فالسؤال هل الانتقال من لفظ "النبيين" إلى "رسلًا" مقصود؟ ولماذا لم تقل الآية الثانية: "ورسلاً وأنبياءً"؟
    ما الفرق بين النبي والرسول.

  3. هل الآيتان في سياق واحد أصلًا؟
    هل نفهم الآيتين كوحدة واحدة، بحيث إن الآية الثانية تكمل معنى الأولى، أم أن لكل آية جهة مستقلة؟

  4. ما الحكمة من قوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؟
    فهل المراد أن الله يريد أن يبين كثرة الرسل واتساع الهداية الإلهية للأمم السابقة، وأن الأنبياء المذكورين في القرآن ليسوا جميع من أرسلهم الله؟
    أم أن المقصود فقط الاختصار والإيجاز، أي لا حاجة لذكر كل الأسماء لأن العبرة قد وصلت؟

  5. هل النبي ﷺ كان يعرف الرسل الذين لم يذكرهم القرآن أم لا؟
    إذا قال الله ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ فهل معناه أن رسول الله ﷺ لم يكن يعلم بهم أصلًا؟
    أم أنه كان يعلم بهم من طريق آخر، لكن القرآن لم يقصص أخبارهم؟
    إذا قلنا إن النبي ﷺ لا يعرف هؤلاء الرسل، فهل يتعارض ذلك مع ما نعتقده من سعة علم النبي ﷺ بالأولين والآخرين؟
    أما إذا كان يعرفهم، فتصبح الآية عنده بمعنى: لم نقصصهم عليك في القرآن أو في هذا المقام، لا أنك لا تعرفهم مطلقًا.


أخي الكريم، تأمّلك في الآيتين دقيق، ولا أرى أن الوقوف عند هذا الاختلاف في التعبير من التدقيق الزائد، لأن القرآن كثيرًا ما يغيّر اللفظ مع وحدة الموضوع ليشير إلى جهة جديدة من المعنى.

 ملخص البحث في آخر الصفحة لمن لا يريد الشرح.

 أما الشرح بتفاصيله للمعرفة الدقيقة فهنا:

قال تعالى:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ...﴾ [النساء: 163]

ثم قال:﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ۝ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 164-165].

أولًا: هل الآيتان في سياق واحد؟

نعم، وبوضوح.

بل إن العلامة الطباطبائي رحمه الله يرجع بالسياق إلى الآية السابقة:
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: 162].

ثم جاءت: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا...﴾ لتبين لماذا لا ينبغي التفريق بين الوحي المحمدي والوحي السابق.

فالعلامة الطباطبائي يقول إن المعنى هو أن الله لم يأتِ النبي محمدًا ﷺ بأمر مبتدع لا نظير له عند الأنبياء السابقين، وإنما «الأمر على نهج واحد لا اختلاف فيه: وحي إلى رسول الله محمد ﷺ كما كان الوحي إلى نوح وإبراهيم وسائر الأنبياء.

إذن محور الآيات هو:

وحدة المصدر الإلهي للوحي، ثم وحدة وظيفة الرسالات، ثم الغاية من إرسال الرسل وهي إقامة الحجة على البشر.

ولهذا تنتهي الآيات بقول الله:

﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.


ثانيًا: لماذا قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ثم عاد فسمّى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق...؟

هذا من أجمل مواضع السؤال.

لأن قوله تعالى :﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾

يشمل من حيث الأصل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وغيرهم.فلماذا أعاد أسماء بعضهم؟

العلامة الطبرسي في مجمع البيان يجيب عن هذا تحديدًا، فيقول إن الله أعاد ذكر هؤلاء بعد دخولهم في عموم ﴿النبيين من بعده﴾ «تعظيمًا لأمرهم وتفخيمًا لشأنهم».

وهذا أسلوب معروف: ذكر الخاص بعد العام.

فالقرآن يقول أولًا: أوحينا إلى النبيين جميعًا بعد نوح، ثم يخرج من هذا الجمع أسماء مخصوصة ذات حضور عظيم في تاريخ الوحي، ولا سيما أن الخطاب في هذه الآيات مرتبط بأهل الكتاب.

والعلامة الطباطبائي يلفت إلى جهة أخرى دقيقة: هؤلاء الذين ذُكروا بأسمائهم كانوا معروفين لأهل الكتاب، وكانوا يعرفون بعثتهم ودعوتهم؛ ثم تظهر الآية تنوع صور الوحي بينهم: فداود أوتي الزبور، وموسى أوتي التكليم، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أوحى الله إليهم وإن لم يذكر لهم هنا كتابًا مستقلًا.

إذن ليست الإعادة حشوًا أو تكرارًا، وإنما انتقلت الآية من:

القانون العام: الوحي إلى النبيين

إلى: نماذج وأعلام مخصوصين من تاريخ النبوة والوحي.


ثالثًا: لماذا قالت الآية الأولى «النبيين»، ثم قالت الثانية «رسلًا»؟

هنا أرى أن في ملاحظتكم دقة جميلة جدًا.

الآية الأولى تتحدث من جهة تلقي الوحي:

﴿أَوْحَيْنَا... وَالنَّبِيِّينَ﴾.

أما عندما انتقل السياق إلى وظيفتهم تجاه الناس، تحوّل التعبير إلى:

﴿وَرُسُلًا...﴾

ثم بيّن الوظيفة مباشرة:﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾

ثم بيّن الغاية:﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

فالجهة الأولى هي الوحي والنبوة، والجهة الثانية هي الإرسال والتبليغ وإقامة الحجة.

ولهذا يقول العلامة الطباطبائي بعد حديثه عن المذكورين في الآية إن الجامع بينهم أنهم رسل مبشرون ومنذرون أرسلهم الله لإتمام الحجة على الناس.

وهذا يفسر لماذا لم يقل:وأنبياء ورسلًا قد قصصناهم.

لأن المقام هنا لم يعد مقام بيان مجرد حصول النبوة، وإنما مقام بيان الإرسال إلى الناس.

ويؤكد ذلك تركيب الآية التالية نفسها:

﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ... بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.


رابعًا: هل يدخل هذا في مسألة الفرق بين النبي والرسول؟

نعم، له علاقة بالمسألة، لكن الآيتين ليستا فقط بصدد تعريف الفرق الاصطلاحي بين النبي والرسول.

العلامة الطباطبائي عند بحثه في النبوة يذكر أن معنى النبي مرتبط بحمل النبأ والمعرفة الإلهية، ومعنى الرسول مرتبط بحمل الرسالة إلى الناس.

ومن الجميل أنه لا يكتفي بالقاعدة المشهورة المبسطة: «كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا»، بل يقول إن الاستعمال القرآني أدق من اختزاله بهذه العبارة وحدها، ويشير إلى أن للرسول جهة الرسالة الخاصة وإتمام الحجة، وللنبي جهة الإنباء والعلم بالله وما عنده.

ولدينا في روايات أهل البيت عليهم السلام ما يزيد المعنى وضوحًا.

روى الكليني في الكافي عن الإمام الباقر عليه السلام في الفرق بين الرسول والنبي أن الرسول يأتيه جبرئيل ويعاينه ويكلمه، أما النبي فيتلقى من الوحي على نحو آخر كرؤيا المنام وسماع الوحي، وقد تجتمع النبوة والرسالة في شخص واحد.

إذاً يستخدم القرآن الكريم كأنه كل لفظ بحسب الجهة التي يتحدث عنها السياق:

فعند الوحي يأتي ب: النبيين.
و عند التبليغ وإقامة الحجة يأتي ب: الرسل.


خامسًا: ماذا يعني: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾؟

هذه الآية مهمة جدًا؛ لأنها تثبت صراحة أن الأنبياء والرسل الذين ذكر القرآن أسماءهم ليسوا جميع الرسل الذين بعثهم الله.

والقرآن يعيد المعنى نفسه في سورة غافر:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78].

وهذا ينسجم مع آيات أوسع، مثل:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36].

و:﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ [يونس: 47].

و:﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].

ومن هنا نعم، يمكن القول إن قوله تعالى ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يفتح أمامنا معنى واسعًا جدًا:أن مسيرة الهداية الإلهية في تاريخ البشر كانت أوسع بكثير من الأسماء التي نعرفها في القرآن.

فالله لم يترك الأمم بلا حجة وهداية.ولكن القرآن ليس كتابًا هدفه تسجيل كل التاريخ البشري وأسماء جميع الأنبياء؛ إنما ينتقي من القصص ما يؤدي غرض الهداية.

والقرآن نفسه يشرح لنا لماذا يقص أخبار بعض الرسل:

﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ... وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120].

وكذلك:﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].

إذن معيار القصص القرآني هو الهداية والعبرة وتثبيت القلب وإقامة الحجة، لا الاستيعاب التاريخي لجميع الأشخاص والأحداث.


سادسًا: وهل ورد شيء عن أهل البيت عليهم السلام في الرسل الذين لم يقصصهم القرآن؟

نعم، وهنا توجد رواية جميلة جدًا ترتبط مباشرة بالسؤال.

نقل العلامة الطباطبائي في البحث الروائي عن الإمام الباقر عليه السلام في حديث طويل 

عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام، وجاء فيها:

«وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن، فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين».الكافي، ج 8، ص 115

والعلامة الطباطبائي يوضح أن المراد أن الله لم يذكر قصص هؤلاء المستخفين في القرآن ولم يسمهم كما سمى بعض المستعلنين من الأنبياء.

وهذه الرواية مهمة جدًا في المسألة؛ لأنها تجعل عدم القصص للأنبياء المستخفين مرتبطًا خصوصًا بعدم ذكرهم وتسميتهم في القرآن. 


سابعًا: هل قوله ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يعني أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بهم؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين جدًا.

الآية قالت:﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾

ولم تقل:لم نعلمك بهم، ولا قالت: لا تعلمهم.

فالمتيقن من الآية هو نفي القصص عنهم، وليس بالضرورة نفي كل علم للنبي ﷺ بوجودهم أو بأسمائهم من أي طريق آخر.

والرواية السابقة عن الإمام الباقر عليه السلام تقوي هذا الفهم، لأنها عبّرت عن الأمر بأن ذكرهم خفي في القرآن فلم يسموا.

ولذلك لا أرى أن الآية وحدها تسمح لنا أن نقول:النبي ﷺ قطعًا لا يعرفهم.

كما أنها في الوقت نفسه لا تكفي وحدها لكي نقول:

النبي ﷺ كان يعرف أسماءهم جميعًا وقصصهم جميعًا.

كلا الأمرين يحتاج إلى دليل آخر.

وهذه نقطة مهمة جدًا:
عدم القص في القرآن شيء، وعدم العلم المطلق شيء آخر.


ثامنًا: إذا لم يعلم النبي بعض هؤلاء الرسل، فهل يتعارض ذلك مع العصمة؟

هنا ينبغي تصحيح أصل الفكرة قليلًا:

العصمة لا تعني أن النبي يعلم بذاته كل شيء وقع وسيقع.

العصمة شيء، والإحاطة بجميع الغيب شيء آخر.

عقيدتنا أن النبي ﷺ لا يستقل بعلم الغيب من ذاته، وإنما يعلمه الله سبحانه ما يشاء من غيبه.

قال تعالى:﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27].

والعلامة الطباطبائي يشرح هذه الآية بأن علم الغيب بالأصالة والاستقلال لله وحده، أما غيره فيعلم من الغيب بتعليم الله وإظهاره له.

ولذلك يشرح أيضًا قوله تعالى:﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

بأن المنفي عن النبي هو العلم المستقل الذاتي بالغيب، لا ما يعلمه عن طريق الوحي الإلهي.

فإذا ثبت بدليل أن الله أطلع النبي ﷺ على أمر غيبي، نؤمن به.

وإذا لم يثبت أنه أطلعه على جزئية معينة، فإن عدم العلم بهذه الجزئية لا يناقض العصمة أصلًا؛ لأن العصمة لا تعني علمًا ذاتيًا غير محدود.

ومن هنا فإن عبارة «علم النبي بالسابق واللاحق» إن أريد بها ما علّمه الله إياه فهي أمر يمكن بحث أدلته من الروايات، أما إن أريد بها أن العلم بكل جزئية من الكون لازم لذات النبوة والعصمة، فهذا ليس تعريف العصمة في القرآن ولا عند المحققين.


والخلاصة

يمكن اختصار الجواب كله في أربع نقاط:

أولًا: قوله ﴿والنبيين من بعده﴾ عام، ثم خُصّ بعض الأنبياء بالاسم تعظيمًا لشأنهم وبيانًا لموقعهم في تاريخ الوحي، وليس ذلك تكرارًا بلا غرض.

ثانيًا: الانتقال من النبيين إلى الرسل مناسب للسياق؛ لأن الكلام انتقل من تلقي الوحي إلى التبليغ والبشارة والإنذار وإقامة الحجة على الناس.

ثالثًا: قوله ﴿رسلًا لم نقصصهم عليك﴾ يدل على أن تاريخ الرسالات أوسع بكثير مما ذكره القرآن، وهو متوافق مع قوله تعالى إن الله بعث في كل أمة رسولًا أو نذيرًا. وعدم ذكرهم لأن القرآن كتاب هداية وعبرة، لا كتاب استقصاء تاريخي.

رابعًا: ﴿لم نقصصهم عليك﴾ لا تساوي «لم تعلم بهم». الآية تنفي القصص، ولا يمكن منها وحدها إثبات أو نفي علم النبي ﷺ بكل واحد منهم. وحتى لو لم يعلّمه الله بعض التفاصيل، فلا تعارض مع العصمة؛ لأن علم الغيب للرسول إنما هو بتعليم الله وإذنه، لا استقلالًا عنه سبحانه.

والله سبحانه أعلم بمراده.

 

اخر المشاركات