الادعاء بأن الصبر مأخوذ من صبر الجمل غير صحيح لغويًا ولا قرآنيًا.
وإن كان يقصد أن «جميل» في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ تعني «صبر الجمل»، فهذا أيضًا خلط اشتقاقي:
جَمِيل بفتح الجيم صفة من «جَمُلَ»، أي حَسُنَ. أما تصغير «جَمَل» فهو جُمَيْل بضم الجيم، والنسبة إليه «جَمَليّ». ولو كان المعنى «صبر جمل» لقيل: صبرُ جملٍ، لا «صبرٌ جميلٌ».
القرآن يستعمل «جميل» وصفًا حسنًا لأعمال لا علاقة لها بالجمل:
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾.
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾.فهل يكون معناها «صفح الجمل» أو «هجر الجمل»؟ قطعًا لا. المقصود: صفح وسراح وهجر وصبر حسن محمود لا قبح فيه. القرآن نفسه يقول: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 6]، أي زينة وحُسن. والراغب الأصفهاني يعرّف الجمال بقوله: «الجمال: الحسن الكثير» في مفردات ألفاظ القرآن.
وهذه الرواية شاهد تفسيري؛ أما الحكم اللغوي فثابت مستقلًا بالنحو والاستعمال القرآني الذي ذكرناه.
إذن «الصبر الجميل» هو الصبر الحسن اللائق: بلا جزع واعتراض وتسخّط وشكوى إلى الخلق، وليس معناه انعدام الحزن؛ فقد قال يعقوب نفسه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
فإن كان مراد القائل أن «جميل» لا تعني جمال الصورة هنا، فهذا صحيح؛ لأنها تعني الحُسن المعنوي والأخلاقي. أما نفي معنى الحُسن عنها وربطها بالجمل، فهو اشتقاق شعبي مخترع لا يصح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق