لماذا يخاف الغرب من الشريعة الإسلامية
اقرأ البحث بالانجليزية هنا
ليس الخوف من الشريعة لأنها تقسو على الإنسان، بل لأنّها تقسو على الفساد.
وليست المشكلة عندهم أنّ الشريعة تظلم الناس، بل المشكلة أنّها تمنع كلَّ ما يدرُّ عليهم المليارات ولو كان على حساب كرامة الإنسان، واستقرار الأسرة، وطهارة المجتمع.
فالشريعة حين تُطبَّق بحقّ، لا تُنتج شعبًا منهكًا بالشهوات، ولا مجتمعًا غارقًا في الديون، ولا أُسرًا مفككة، بل تُنتج أمةً واعية، متماسكة، تعرف لماذا تعيش، وإلى أين تسير. وهنا يبدأ الخوف الحقيقي.
حين نتأمل في الخطاب الغربي تجاه الشريعة الإسلامية، نجد أنّه كثيرًا ما يُقدَّم على أنّه دفاع عن الحرية، أو عن حقوق الإنسان، أو عن الحداثة. لكن بالنظر العميق، يظهر أنّ الخوف من الشريعة ليس نابعًا من الحرص على الإنسان بقدر ما هو نابع من الخوف على منظومات كاملة من المصالح التي تقوم على إضعاف الإنسان ماديًا وأخلاقيًا وروحيًا.
فالشريعة الإسلامية لا تأتي فقط بأحكام عبادية، بل تأتي بمشروع حضاري كامل يعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والاقتصاد والأسرة على أساس الطهارة، والعدل، والتكافل، والانضباط. وهذا النموذج إذا نهض فعلًا، فإنه يهدد البنية التي تستفيد منها قوى كثيرة في العالم، وعلى رأسها القوى التي بنت نفوذها على الربا، والانحلال الأخلاقي، وتفكيك الأسرة، وإشغال الإنسان عن قضاياه الكبرى.
ومن هنا، فإنّ الحرب على الشريعة ليست حربًا على نصوص فقهية فحسب، بل هي حرب على مشروع إصلاح شامل لو طُبِّق حقًّا لأعاد للأمة قوتها، ولحرم الكثير من القوى العالمية من مصادر ضخمة للهيمنة والربح.
أولًا: لأن الشريعة تحرّم الربا، والربا من أعمدة السياسات الاقتصادية الحديثة
من أعظم ما تحاربه الشريعة الإسلامية: الربا.
وليس تحريم الربا حكمًا هامشيًا، بل هو إعلان حرب على نظام اقتصادي يقوم على استغلال حاجة الإنسان، وتحويل فقره وقلقه واحتياجه إلى سلعة مربحة.
في كثير من الأنظمة المعاصرة، صار الربا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية:
القروض، والديون، والبطاقات، والفوائد، والرهن، والسياسات البنكية، بل وصارت دول بأكملها تُدار ضمن دوائر من الاستدانة والفوائد المركبة. وهذا يعني أن الشريعة حين تقول: لا ربا، فهي لا تمنع معاملة مالية جزئية فقط، بل تضرب قلب منظومة اقتصادية ضخمة تقوم على مراكمة المال في أيدي قلة، وتكبيل الأفراد والشعوب بالديون.
الشريعة تريد اقتصادًا أكثر عدلًا ورحمة، يقوم على العمل الحقيقي، والتجارة المشروعة، وتقاسم المخاطر، وعدم استغلال المحتاج. أما المنظومات الربوية، فهي تستفيد من أن يبقى الإنسان خائفًا، محتاجًا، غارقًا في التزاماته المالية، يسدد أكثر مما يأخذ، ويخدم مؤسسات لا ترحمه.
ولذلك، فمن الطبيعي أن يُنظر إلى الشريعة باعتبارها خطرًا على هذه المصالح. لأنها لا تسمح بأن تتحول حاجات البشر إلى مصائد، ولا أن يصبح الضعيف وقودًا لثراء الأقوياء.
ثانيًا: لأن الشريعة تحرّم الإباحية، بينما تقوم عليها صناعات ومؤسسات ضخمة
الشريعة الإسلامية لا تنظر إلى الإباحية على أنها مجرد “خيار شخصي”، بل تنظر إليها باعتبارها أداة خطيرة لتدمير الفطرة، وتفكيك الحياء، وإفساد العلاقة بين الرجل والمرأة، وتحويل الإنسان إلى كائن تحركه الغريزة وتستنزفه الشهوة.
العالم الذي يروّج للإباحية لا يراها من زاوية أخلاقية، بل من زاوية السوق والربح. فخلف هذا الانحلال توجد منصات، وشركات، وإعلانات، وتطبيقات، ومؤسسات كاملة تستفيد من نشر الفساد، وتربح من تدمير النفوس، وتشجع على استهلاك الجسد والمتعة السريعة بدل بناء الإنسان والأسرة والقيم.
والشريعة حين تغلق هذا الباب، فإنها لا تحرم متعة مباحة، بل تحرم تجارة قائمة على إفساد الإنسان.
إنها تحمي القلب من التبلد، وتحمي العين من الانحدار، وتحمي العلاقات من التشيؤ، وتحمي الأسرة من الانهيار. ولذلك فإنها تصطدم مباشرة مع مشاريع تريد لمجتمعاتنا أن تبقى مشغولة بالشهوة، بعيدة عن الفكر، ضعيفة الإرادة، سهلة الاختراق.
فالمجتمع الطاهر أصعب قيادةً نحو الانحراف، وأصعب استنزافًا عبر سوق الشهوات. ولهذا لا يُراد للشريعة أن تحكم؛ لأنها تقطع شريانًا مهمًا من شرايين الإفساد المربح.
ثالثًا: لأن الشريعة تحرّم الخمر، وتحمي العقل والأسرة والمجتمع
الخمر في ميزان الشريعة ليس مجرد شراب، بل باب من أبواب خراب العقل، وضياع القرار، وتفكك الأسرة، واتساع دائرة العنف والندم والانهيار الأخلاقي والنفسي.
كم من بيت هُدم بسبب الخمر؟
وكم من طفل نشأ في خوف واضطراب بسبب أب أو أم أفسد الخمر توازنهم؟
وكم من الجرائم، والحوادث، والاعتداءات، والخيانات، والطلاق، كانت الخمر سببًا مباشرًا أو غير مباشر فيها؟
الشريعة حين تحرم الخمر، فإنها تحرس الإنسان من نفسه إذا ضعفت، وتحرس الأسرة من التفكك، وتحرس المجتمع من ثقافة الهروب والتبلد. إنها تريد إنسانًا حاضر العقل، واضح الرؤية، مسؤولًا عن كلمته وقراره، لا إنسانًا مخدّر الوعي، سهل الانقياد، سريع السقوط.
أما الأنظمة التي تستفيد من تسطيح الإنسان وإلهائه، فهي لا ترى في انتشار الخمر كارثة ما دام يحقق أرباحًا. ولذلك تصبح الشريعة، مرة أخرى، عائقًا أمام سوق ضخمة تربح من الإضرار بالعقل والروح والأسرة.
رابعًا: لأن الشريعة تبني مجتمعًا متماسكًا من خلال الصلاة والزكاة والتشاور والتكافل
من أعظم ما تتميز به الشريعة الإسلامية أنها لا تعالج الفرد وحده، بل تبني نسيجًا اجتماعيًا حيًا.
فالصلاة ليست مجرد عبادة فردية، بل هي اجتماع متكرر يربط الناس بالله ثم يربط بعضهم ببعض.
والزكاة ليست صدقة عابرة، بل نظام مالي أخلاقي يمنع تراكم البؤس في أطراف المجتمع.
تشير الدراسات الصادرة عن Indiana University إلى أن المسلمين في الولايات المتحدة يتبرعون بحوالي 4.3 مليار دولار سنويًا في الأعمال الخيرية، بينما تبلغ الزكاة وحدها نحو 1.8 مليار دولار. وهذا يكشف أن المجتمع المسلم ليس فقط مجتمع عبادة، بل أيضًا مجتمع عطاء وتكافل له أثر اقتصادي واجتماعي واسع.
والتشاور ليس زينة فكرية، بل منهج يربّي الناس على المشاركة، وتحمل المسؤولية، وسماع بعضهم لبعض. تكمن مشكلة أغلب المسلمين على وجه الأرض في القيادات الخائنة و ليس في الشريعة نفسها.
حين يعيش الناس في مجتمع تصنعه الشريعة، فإنهم لا يبقون أفرادًا متباعدين تحكمهم الأنانية، بل يصيرون جماعة تعرف معنى المسؤولية المشتركة. الغني يشعر بالفقير، والجار يسأل عن جاره، والناس يلتقون على الطاعة، ويتعارفون، ويتناصحون، وتبقى بينهم روابط تحفظ المجتمع من الانهيار.
وهذا النوع من المجتمعات لا يسهل السيطرة عليه كما يسهل على المجتمعات المفككة.
فكلما زاد تماسك الناس، وصار عندهم وعي، ورسالة، وقيم، وتكافل، صاروا أقل قابلية للاستلاب الثقافي، وأقل احتياجًا للأنظمة التي تسوّق نفسها بوصفها المنقذ الوحيد.
ولهذا، فالشريعة لا تُحارب فقط لأنها تمنع المنكرات، بل لأنها تصنع إنسانًا مستقلًا ومجتمعًا قويًا.
خامسًا: لأن تطبيق الشريعة الحقيقي يحقق الاستقرار، والاستقرار الواعي يهدد مصالح المهيمنين
إذا طُبقت الشريعة كما أرادها الله، فإن نتائجها الطبيعية تكون:
استقرارًا نفسيًا، وانضباطًا أخلاقيًا، وقوة أسرية، وعدلًا اقتصاديًا، وتكافلًا اجتماعيًا، ووضوحًا في معنى الحياة. وحين يصل الإنسان إلى هذه الحال، فإنه لا يعود سهل التوجيه بالدعاية، ولا سهل الإغراق في الشهوات، ولا سهل الابتزاز بالخوف والحاجة.
المجتمع الذي يفهم الحياة وفق ميزان الشريعة، مجتمع يعرف أن الإنسان ليس آلة استهلاك، ولا جسدًا للشهوة، ولا رقمًا في بنك، بل عبد لله له رسالة، وله حدود، وله كرامة. وهذا الوعي وحده كفيل بأن يهدم كثيرًا من المشاريع التي تربح من تيه الإنسان.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الحرب على الشريعة:
إنها ليست فقط خوفًا من “دين”، بل خوف من نموذج حضاري بديل. نموذج لو قام، لأفشل تجارة الربا، وقلّص سوق الإباحية، وأضعف ثقافة الخمر، وأعاد للأسرة قوتها، وللمجتمع تماسكه، وللأمة استقلالها. وعندها، ستخسر قوى كثيرة ملايين، بل بلايين الدولارات التي تجنيها من إفساد البشر وتفكيك المجتمعات.
خاتمة
إنّ الشريعة الإسلامية لا تُخيف من يريد الخير للإنسان، بل تُخيف من بنى نفوذه على استغلال الإنسان.
هي لا تحارب الحرية، بل تحرر الإنسان من عبودية المال، والشهوة، والإدمان، والظلم.
ولا تهدم الحضارة، بل تهدم الفساد الذي يُقدَّم باسم الحضارة.
ولذلك، فإنّ الخوف من الشريعة في كثير من صوره ليس خوفًا من ظلمها، بل خوف من عدلها، وليس خوفًا من قسوتها، بل خوف من طهارتها، وليس خوفًا من تخلفها، بل خوف من أن تنجح في تقديم نموذج أنقى، وأعدل، وأرحم، وأصلح للإنسان من النماذج التي أرهقت العالم رغم كل ما ترفعه من شعارات.
فإذا فهم المسلمون شريعتهم فهمًا صحيحًا، وطبقوها بعدل ووعي وحكمة، فإنهم لن يربحوا فقط مجتمعًا أكثر استقرارًا ونقاءً، بل سيستعيدون قدرتهم على أن يكونوا أمة شاهدة، لا أمة مستهلكة، ولا أمة تابعة. وعندها فقط يتضح لماذا تُحارَب الشريعة:
لأنها إذا قامت حقًّا، سقطت أمامها مصالح كثيرة، وانكشف زيف كثير من الأقنعة.
بقلم هدى شبيري الخاقاني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق