تأمل في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام في سورة مريم:


سؤال أورده أحد الإخوة الكرام :

لقد دعا زكريا ربه وهو شيخ كبير قائلاً:
﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾
وطلب من الله وليًّا يرثه ويرث من آل يعقوب.

لكن عند بشارته بيحيى عليه السلام، لم يبادر مباشرةً بالشكر والامتنان، بل قال متعجبًا:
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾

وهنا يبرز التساؤل:

إذا كان زكريا عليه السلام قد دعا الله وهو يعلم أنه بلغ من الكبر عتيًا وأن زوجته عاقر، فلماذا تعجب عند تحقق الدعاء؟
ألم يكن الأجدر أن يبادر بالشكر بدل الاستغراب؟
وكيف نفهم هذا التعجب في سياق إيمان نبي كريم وثقته بالله وقدرته؟


أما الإجابة:




قال تعالى على لسان نبي الله زكريا عليه السلام :  قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا (4) وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا (6) يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا (8)


الإجابة لعل فيها احتمالين :

الإحتمال الأول أن زكريا في أيام شبابه دعى الله بالذرية كما ورد في سورة آل عمران  قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (38) نحن لا نعلم كم كان عمر زكريا عندما طلب الذرية الصالحة و لكن عندما وهن العظم منه و اشتعل الرأس شيبا كما ورد في سورة مريم طلب من الله "وليا" و ليس ذرية .
أي طلب من الله من يتولى أمره بعده من وراثة الأنبياء. فالولي قد لا يكون من نفس  ذرية النبي كما لم يكن علي عليه السلام من ذرية محمد صلى الله عليه و آله و لكنه كان ولياً ورث علم الأنبياء من رسول الله صلى الله عليه و آله. فاستغرابه لعله كان بسبب أن الله استجاب له بالذرية الصالحة بعد أن أصبح رجلاً كبيراً و امرأته عاقر. فطلب من الدهشة أن يقول له تعالى كيفية تحقيق هذه الأمنية فالأسباب الطبيعية كانت معدومة خاصة بالنسبة إلى زوجته. 

أما الإحتمال الثاني:

أن الأنبياء بطبيعتهم يريدون تفاصيل توصلهم أكثر إلى اليقين التام كما طلب نبي الله إبراهيم عليه السلام من الله أن يُريه كيف يحيي الموتى، و قد ورد ( قال أو لم تؤمن؟ قال بلى و لكن ليطمئن قلبي) فما أراده الأنبياء الوصول إلى مرحلة النفس المطمئنة و معرفة كيفية تحقيق المعجزة و ليس استغراباً بقدرة الله على فعل كُن فيكون. فهو كان يعلم أن الأسباب الطبيعية لا تسمح بذلك فهو شيخ كبير و زوجته عاقر و لم يُنجب طوال حياته فحين أعطته الملائكة البشارة كأن من دهشته قال هذه معجزة عظيمة كيف ستقع يا الهي؟
ثم بعد ذلك دعى زكريا حتى قومه إلى التسبيح و العبادة بقوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا (11) و ملخص الاحتمال الثاني: أنه طلب في البداية طمأنينة لقلبه ثم شكر بالعبادة و التسبيح مع قومه و هذا يعلمنا هذا درساً : أن المؤمن قد يتعجب من رحمة الله و كيفية وقوعها دون أن يشك في قدرة الله تعالى على تحقيقها.

بقلم هدى محمدكاظم الخاقاني


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تأمل في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام في سورة مريم:

سؤال أورده أحد الإخوة الكرام : لقد دعا زكريا ربه وهو شيخ كبير قائلاً: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وطلب ...

اخر المشاركات