الفرق بين ألفاظ "الزوج" و"البعل" و"المرأة" في القرآن الكريم


الفرق بين ألفاظ "الزوج" و"البعل" و"المرأة" في القرآن الكريم

ترد في القرآن الكريم ألفاظ متعددة للدلالة على الرجل والمرأة والعلاقة الزوجية، ومن أبرزها: الزوج، والبعل، والمرأة. وقد تتقارب هذه الألفاظ في بعض المواطن، لكنها لا تتطابق من جميع الجهات؛ فلكل لفظ منها دلالته، ويختار ذلك الله تعالى في القرآن الكريم بحسب المعنى المراد في السياق.
أولًا: معنى "الزوج" في القرآن الكريم

الأصل اللغوي لكلمة الزوج هو: ما يكون معه آخر من جنسه أو ما يقترن به، ولذلك فالزوج خلاف الفرد.

ولا تختص كلمة "الزوج" بعلاقة الرجل والمرأة، بل وردت في القرآن بعدة معانٍ.
مثلا الزوج بمعنى الرجل أو المرأة المرتبطين بعقد الزواج . و يُطلق لفظ "الزوج" في القرآن على الرجل، كما يطلق على المرأة؛ لأن كل واحد منهما قرين للآخر.قال تعالى:﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾البقرة: 35.

فأطلق الله تعالى كلمة "زوج" على حواء، ولم يقل: امرأتك؛ لأن المقام مقام بيان اقتران آدم بها وسكناهما معًا.

ومن إطلاق الزوج على الرجل قوله تعالى:

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾المجادلة: 1.

وعليه، فكلمة "الزوج" مشتركة في الاستعمال بين الذكر والأنثى، ويُعرف المراد منها بحسب السياق.

و قال تعالى:﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ النجم: 45.

فالذكر زوج، والأنثى زوج، وهما زوجان باعتبار اقتران أحدهما بالآخر واختلافهما الذي تتحقق به الثنائية.

وقال تعالى:﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
الذاريات: 49.

والمراد أن الله تعالى جعل في مخلوقاته أصنافًا متقابلة أو متكاملة، كالذكر والأنثى، والليل والنهار، والحر والبرد، وغير ذلك مما يظهر فيه معنى الثنائية والتقابل.
الزوج قد تأتي بمعنى الصنف أو النوع

مثل قوله تعالى:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾الشعراء: 7.

وقال تعالى:﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾الحج: 5.

فالمراد بـ"كل زوج" هنا: كل صنف أو نوع من النبات حسن المنظر كثير النفع. أو قد يكون المراد أن لكل نبات نوعين من نفس الجنس و هذا يحتاج إلى بحث علمي و ليس من تخصصي.

وقال تعالى:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
طه: 131.

والمقصود بـ"أزواجًا منهم": فئات مختلفة من الناس الذين مُتّعوا بزينة الحياة الدنيا.

و قال تعالى ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾
الأنعام: 143.ثم ذكر الإبل والبقر.

والمقصود بثمانية أزواج: ثمانية أفراد، هي ذكر وأنثى من الضأن، وذكر وأنثى من المعز، وذكر وأنثى من الإبل، وذكر وأنثى من البقر. فكل واحد من الذكر والأنثى يسمى زوجًا، وهما معًا زوجان.

و قال تعالى:﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ الواقعة: 7.

هنا لأن كل الأنواع من أصحاب الميمنة و أصحاب المشأمة و السابقون يتكونون من الجنسين الذكر و الأنثى قال أزواجا ثلاثة.
و قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ التكوير: 7.

ذكر المفسرون في معنى الآية عدة احتمالات، منها:

أن كل نفس تُقرن بمن يشابهها في العقيدة والعمل؛ فيقرن الصالح بالصالح، والفاسد بالفاسد.


أن الأرواح تُرد إلى أجسادها.


أن المؤمنين يُقرنون بزوجاتهم التي في نفس مستواهم مثل قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ
هل تدل كلمة "الزوج" على التوافق والألفة دائمًا؟

ذهب بعض الباحثين إلى أن القرآن يستعمل كلمة "الزوج" عندما يوجد التوافق والانسجام بين الطرفين، بينما يستعمل كلمة "المرأة" عند فقدان التوافق.

ولكن تتبع الآيات يدل على أن هذه القاعدة ليست مطردة؛ لأن القرآن استعمل كلمة "الزوج" حتى في حالات الخصومة والنزاع والظهار والاتهام والطلاق.

قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾النور: 6.

فالآية تتحدث عن اتهام الرجل زوجته بالزنا، ومع ذلك سماها القرآن "زوجًا".

وقال تعالى:﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾الأحزاب: 4.

والظهار يحدث في حال النزاع والإساءة إلى الزوجة، ومع ذلك استعمل القرآن لفظ "أزواجكم".

وقال تعالى:﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾البقرة: 232.

فسمي الرجل زوجًا مع وقوع الطلاق السابق بينهما.

وقال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ البقرة: 234.

فاستعمل لفظ "أزواجًا" للنساء اللاتي مات عنهن أزواجهن.

إذن، لا تدل كلمة "الزوج" في أصل معناها على كمال الألفة أو خلو العلاقة من المشكلات، وإنما تدل أساسًا على الاقتران وقيام العلاقة الزوجية. وقد يفهم الانسجام من بعض السياقات، لكنه ليس جزءًا لازمًا من معنى الكلمة في جميع الآيات.
ثانيًا: معنى "البعل" في القرآن الكريم

يطلق لفظ البعل في الاستعمال القرآني المتعلق بالأسرة على الرجل بوصفه زوجًا للمرأة، ولا يطلق على المرأة.

فكل بعل زوج، ولكن لا يطلق لفظ البعل على الزوجة الأنثى.

قال تعالى:﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾النساء: 128.

فالمراد ببعلها: زوجها الرجل.

ولا يدل استعمال كلمة "البعل" هنا على وجود الألفة أو فقدانها، فالآية نفسها تتحدث عن احتمال نشوز الزوج أو إعراضه.

وقال تعالى على لسان سارة زوجة إبراهيم عليه السلام:

﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾هود: 72.

فأطلقت سارة على إبراهيم عليه السلام كلمة "بعلي"، أي زوجي. وكانت بينهما علاقة زوجية دامت إلى الشيخوخة، مما يؤكد أن لفظ "البعل" لا يدل بذاته على فقدان المودة أو الانسجام.

وقال تعالى:﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾النور: 31.

فالمراد بـ"بعولتهن": أزواجهن من الرجال.

وقال تعالى:﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾البقرة: 228.

أي إن أزواج المطلقات الرجعيّات أحق بإرجاعهن خلال مدة العدة إن قصدوا الإصلاح.
الفرق بين "الزوج" و"البعل"

يمكن تلخيص الفرق في أن كلمة الزوج تلاحظ معنى الاقتران، ولذلك تطلق على الرجل والمرأة معًا، كما تطلق على الأصناف والأنواع المتقابلة أو المتشابهة.

أما كلمة البعل فتحدد الرجل في العلاقة الزوجية، ولذلك يقال: بعل المرأة، ولا يقال : المرأة بعل الرجل.
ثالثًا: معنى "المرأة" في القرآن الكريم

كلمة المرأة تدل في أصلها على الأنثى البالغة من البشر، وهي مؤنث "امرئ".

وقد تستعمل في القرآن للدلالة على الأنثى في مقابل الرجل، كما تستعمل للدلالة على الزوجة، بحسب السياق.
1. المرأة بمعنى الأنثى في مقابل الرجل

قال تعالى في آية الدين والشهادة:

﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾
البقرة: 282.

فالمقصود هنا بيان جنس الشهود: رجل وامرأتان.

وقال الهدهد في وصف ملكة سبأ:

﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾النمل: 23.

فلم تكن الإشارة إلى علاقتها الزوجية، وإنما إلى كونها امرأة تتولى الحكم وتملك قومها.
2. المرأة بمعنى الزوجة

قال تعالى:﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾النساء: 128.

فكلمة "امرأة" هنا تعني زوجة، ولفظ "بعلها" يعني زوجها الرجل.

وقال تعالى عن زوجة لوط عليه السلام:

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾الأعراف: 83. فالمراد بامرأته: زوجته.

وقال تعالى عن سارة:﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾هود: 71.

ثم قالت في الآية التالية:﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾.

فالشخصية نفسها وصفت في آية بأنها "امرأته"، أي زوجة إبراهيم، ووصفت إبراهيم بأنه "بعلي"، أي زوجي. وهذا يدل على أن استعمال "امرأة" لا يعني بالضرورة فقدان الألفة أو انقطاع العلاقة الزوجية.
هل تستعمل "المرأة" عند فقدان التوافق الزوجي؟

قد يقال إن القرآن يستعمل "امرأة" بدل "زوج" عندما لا يوجد توافق ديني أو نفسي بين الزوجين، كما في قوله تعالى:﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾التحريم: 10.

وقوله تعالى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾التحريم: 11.

فقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط مخالفتين لزوجيهما في الإيمان، وكانت امرأة فرعون مؤمنة مع كفر زوجها.

وهذا قد يكون من لطائف اختيار اللفظ في هذه المواطن؛ لأن السياق يبرز كل امرأة بوصفها شخصية مستقلة في العقيدة والمسؤولية.لكن لا يصح تحويل هذه الملاحظة إلى قاعدة عامة، لأن القرآن قال عن سارة:﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾،مع وجود الإيمان والألفة بينها وبين إبراهيم عليه السلام.

كما قال عن امرأة عمران:﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾آل عمران: 35.

ولا يوجد في الآية ما يدل على اضطراب العلاقة بينها وبين زوجها.

إذن، استعمال "امرأة" لا يدل بذاته على فقدان الانسجام، وإنما يدل في الأصل على الأنثى، وقد يراد به الزوجة عندما يكون السياق ناظرًا إليها هي، لا إلى مجرد معنى الاقتران بينها وبين زوجها.
النتيجة

يمكن تلخيص الفروق بين الألفاظ الثلاثة على النحو الآتي:

الزوج:
هو القرين المقترن بغيره، ويطلق على الرجل والمرأة، كما يطلق على الذكر والأنثى، وعلى الصنف والنوع. والمحور الأساسي في معناه هو الاقتران والثنائية، لا كمال المودة أو انعدام الخلاف.

البعل:
هو زوج المرأة من الرجال، ولا يطلق على المرأة. ويلاحظ فيه الرجل داخل العلاقة الزوجية. ولا يدل اللفظ بذاته على وجود الألفة أو فقدانها.

المرأة:
هي الأنثى البالغة، وقد تستعمل في مقابل الرجل، وقد يراد بها الزوجة. وعند استعمالها للزوجة يكون التركيز في كثير من المواضع على المرأة نفسها أو على موقفها وقصتها، لا على معنى الاقتران وحده.

و الله تعالى أعلم.

ما معنى“والسِّرّ المُستودَع في فاطمة”؟


هذه العبارة من أعمق عبارات التوسل في الثقافة الشيعية. وهي تحمل أكثر من معنى، ولا ينبغي أن نختزلها في تفسير واحد فقط.


عندما نقول:“اللهم إني أسألك بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسِّرّ المستودَع فيها”


فنحن نتوسل إلى الله بخمسة مقامات:


فاطمة نفسها،

وأبوها رسول الله،

وزوجها أمير المؤمنين،

وابناها الحسن والحسين،

ثم السرّ المستودع فيها.


وهنا السؤال الكبير: ما هو هذا السر؟


المعنى الأول: السر المستودع هو الإمام المهدي عجل الله فرجه


لماذا؟

لأن الأئمة كلهم من ذرية فاطمة.  و ختامها المسك وبقية الله في الأرض، هو من نسلها. فكأنّ الله أودع في وجود فاطمة سرّ استمرار الإمامة إلى آخر الزمان.


ففاطمة ليست فقط بنت النبي.

هي وعاء الامتداد المحمدي.

من خلالها بقي نسل رسول الله.

ومن خلالها جاءت الإمامة.

ومن خلالها سيظهر الإمام الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا.

فحين نقول “السر المستودع فيها”، كأننا نقول:


يا الله، بحق ذلك النور الغيبي الذي أودعته في فاطمة، بحق الإمام المنتظر الذي هو ثمرة هذا البيت الطاهر، عجّل فرجنا وفرجه.


وهذا المعنى يناسب جدًا الدعاء بالفرج، لأن فاطمة عليها السلام مرتبطة بسرّ الفرج الأعظم: ظهور الإمام المهدي.

المعنى الثاني: السر هو مقام فاطمة الذي لم يُكشف للخلق كاملًا

فاطمة عليها السلام ليست شخصية عادية يمكن أن نحيط بها بكلمات. هناك جانب من حقيقتها لا يعرفه إلا الله ورسوله وأهل البيت.

نحن نعرف عنها أنها بنت النبي، وزوجة علي، وأم الحسن والحسين. لكن هذه عناوين ظاهرة. أما حقيقتها الباطنية، ومقامها عند الله، ونورانيتها، ودورها في عالم الهداية، فهذا “سرّ”.

لذلك قيل عنها في الروايات بمعانٍ مشهورة: إن الخلق فُطموا عن معرفتها. أي أن معرفتها الكاملة ليست سهلة ولا متاحة لكل أحد.


فهي ليست فقط امرأة عظيمة في التاريخ.

هي حجةٌ بمعنى عميق: شنو نعني بكلمة حجة؟ يعني موقفها يكشف الحق من الباطل. رضاها وغضبها ميزان. خطبتها بعد النبي وثيقة عقائدية وسياسية وروحية. مظلوميتها فضحت الانحراف الأول بعد رحيل رسول الله.

فـ “السر المستودع فيها” قد يكون ذلك المقام الفاطمي المخفي، الذي لا يدركه الإنسان إلا بقدر طهارته ومعرفته.


المعنى الثالث: السر هو الولاية

فاطمة عليها السلام كانت مركزًا لكشف الولاية وحفظها.

بعد وفاة النبي، لم تكن قضية فدك مجرد أرض. كانت فدك عنوانًا أكبر:

من هو صاحب الحق؟

من هو الامتداد الشرعي للنبي؟

هل تُحفظ وصية رسول الله أم تُغيَّب؟

هل الأمة تسير وراء النص الإلهي أم وراء السياسة؟


فاطمة وقفت لتقول للأمة: هناك حق مغصوب. وهناك إمام منصوب. وهناك انحراف بدأ انتبهوا يا أمة محمد على مر الدهور.


لذلك السر المستودع فيها يمكن أن يُفهم أيضًا بأنه سر الولاية لأهل البيت؛ لأن موقفها هو الذي حفظ خط علي عليه السلام من أن يُدفن في الصمت.


بكلمة أخرى:

لولا فاطمة، لقال كثيرون إن ما حدث بعد النبي كان أمرًا عاديًا.

لكن صرخة فاطمة، وغضب فاطمة، وخطبة فاطمة، ووصيتها أن تُدفن ليلًا، كلها أصبحت علامات لا تموت.


المعنى الرابع: السر هو اجتماع النبوة والإمامة في رحم فاطمة


فاطمة عليها السلام نقطة التقاء عظيمة:


من جهة، هي بضعة رسول الله.

ومن جهة، هي زوجة أمير المؤمنين.

ومن جهة، هي أم الأئمة.


ففيها اجتمع نور النبوة ونور الولاية، ومنها امتد خط الإمامة. لذلك هي ليست فقط فردًا من أهل البيت، بل هي محور أهل البيت.


النبي أصل الرسالة.

علي أصل الإمامة.

وفاطمة الوعاء الطاهر الذي منه استمرت الشجرة المحمدية العلوية.


ولهذا نفهم لماذا ورد التركيز عليها في الأدعية والزيارات. لأنها باب لفهم المشروع الإلهي كله: النبوة، الإمامة، الطهارة، المظلومية، والفرج الذي سيأتي من ذريتها بمجيء المهدي من ال محمد عجل الله تعالى فرجه الشريف.

---

و بالأخير أقول
يا الله، بذلك الأمر الإلهي العظيم الذي أودعته في فاطمة، سواء كان سرّ الإمامة، أو الإمام المهدي، أو مقامها المخفي على اغلب البشر، أو حقيقة الولاية، أو امتداد النور المحمدي من خلالها، أسألك أن تفتح لي و للسامع الكريم أبواب رحمتك في الدنيا و الآخرة.

أما من يتسائل هل لهذه الاحتمالات مصادر : 

أنا لم أقل إن معنى “السر المستودع في فاطمة” له تفسير واحد قطعي منصوص عليه برواية صريحة، بل ذكرتُه كمعانٍ محتملة ومشهورة عند علماء الشيعة، مبنية على جمع القرائن العقائدية والروائية حول مقام الزهراء عليها السلام.

أصل العبارة واردة في بعض صيغ التوسل: “اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها”، وقد نُقلت في كلمات بعض العلماء، وذكر بعضهم أنها منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام، مع وجود نقاش في السند والصيغة. لذلك الأفضل علميًا أن نقول: الدعاء مشهور ومضمونه صحيح من جهة التوسل، أما تحديد “السر” فليس محل اتفاق قطعي.

أما تفسير السر بأنه الإمام المهدي عجل الله فرجه، فمصدره الاستظهار؛ لأن الإمام المهدي من ذرية فاطمة عليها السلام، وهو غائب مستور، وبقية خط الإمامة الذي أودعه الله في نسلها. وبعض العلماء ذكر هذا الاحتمال صراحة ضمن معاني “السر المستودع”.

وهناك احتمالات أخرى أيضًا، منها أن السر هو مقام فاطمة المخفي الذي لا نحيط بحقيقته، أو سر الولاية والإمامة، أو المحسن الشهيد عليه السلام، أو الكمالات الإلهية الخاصة المودعة فيها. لذلك أنا أتعامل مع العبارة باعتبارها بابًا معرفيًا وروحيًا، لا كحكم عقائدي محصور في معنى واحد.

بعض المصادر للعلماء باختصار:

  1. شبكة رافد / جواب السيد علي الحائري: يذكر أن الصيغة المتداولة حصل فيها خلط بين نصوص، ثم ينقل صيغة التوسل: “اللهم إني أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها”، ويؤكد أن حقيقة السر لا تُعرف بكنهها، وأنه سر كامن في مقام الزهراء وتكوينها وموقعها. كما تذكر التعليقات العلمية هناك احتمالات للسر، ومنها الإمام الحجة عجل الله فرجه، والأئمة من ذريتها، ومصحف فاطمة.

 https://openinapp.link/ypizk

  1. مقالة “كلمة حول السر المستودع” للسيد ضياء عدنان الخباز / شبكة الضياء: هذه مقالة مفيدة لأنها لا تعرض المعنى وكأنه قطعي، بل تقسم الصيغ وتناقش السند والمعاني المحتملة. يذكر أن بعض الصيغ منقولة عن علماء مثل الملا علي المعصومي الهمداني والسيد المرعشي النجفي، وأن إحدى الصيغ نُقلت في دعاء الكنز، ثم يوضح أن القراءة مشروعة ما دام لا يُقصد الجزم بالورود إذا لم يثبت السند. https://aldiaa.net/art6/


  1. في نفس مقالة شبكة الضياء، يذكر المعاني المحتملة للسر، ومنها: الإمام المهدي عجل الله فرجه باعتبار غيبته وخفاءه، والمحسن الشهيد عليه السلام، والأمر الخفي من شؤون الزهراء عليها السلام، ثم يختم بأن حقيقة “السر المستودع” تبقى سرًا، وما يذكر حولها هو احتمال قابل للصواب والخطأ. https://aldiaa.net/art6/


أنا لا أنسب تفسيرًا واحدًا للمعصوم إلا بدليل صريح، لكن أقول إن هذه معانٍ ذكرها أو احتملها علماء شيعة، وهي منسجمة مع مقام الزهراء عليها السلام ومع كون الأئمة والمهدي من ذريتها.

 أما الروايات الواردة في الأمر : 

« اللهم إنّي أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسّرّ المستودع فيها » ، وهذه الصيغة مروية عن الإمام الصادق عليه السلام حيث روي عنه أنّه قال : « إذا أردت أن تستخير اللّه تعالى وتطلب منه أن يهديك إلى الخير فيما تريد الإقدام عليه فقل : « اللهم أنّي أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسّرّ المستودع فيها... » ».

 وهنا نصل إلى قول الإمام الصادق سلام اللّه عليها : « إنّما سمّيت فاطمة ، لأنّ الخَلق فُطموا عن معرفتها ».


لماذا يحيي الشيعة زيارة الأربعين في كل عام؟

  لماذا يحيي الشيعة زيارة الأربعين في كل عام؟ الأربعين ليست مجرد مسيرةٍ إلى كربلاء، ولا عادةً تتكرر كل سنة، بل هي تجديدٌ للعهد أننا على نفس ...

اخر المشاركات