الفرق بين ألفاظ "الزوج" و"البعل" و"المرأة" في القرآن الكريم
ترد في القرآن الكريم ألفاظ متعددة للدلالة على الرجل والمرأة والعلاقة الزوجية، ومن أبرزها: الزوج، والبعل، والمرأة. وقد تتقارب هذه الألفاظ في بعض المواطن، لكنها لا تتطابق من جميع الجهات؛ فلكل لفظ منها دلالته، ويختار ذلك الله تعالى في القرآن الكريم بحسب المعنى المراد في السياق.
أولًا: معنى "الزوج" في القرآن الكريم
الأصل اللغوي لكلمة الزوج هو: ما يكون معه آخر من جنسه أو ما يقترن به، ولذلك فالزوج خلاف الفرد.
ولا تختص كلمة "الزوج" بعلاقة الرجل والمرأة، بل وردت في القرآن بعدة معانٍ.
مثلا الزوج بمعنى الرجل أو المرأة المرتبطين بعقد الزواج . و يُطلق لفظ "الزوج" في القرآن على الرجل، كما يطلق على المرأة؛ لأن كل واحد منهما قرين للآخر.قال تعالى:﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾البقرة: 35.
فأطلق الله تعالى كلمة "زوج" على حواء، ولم يقل: امرأتك؛ لأن المقام مقام بيان اقتران آدم بها وسكناهما معًا.
ومن إطلاق الزوج على الرجل قوله تعالى:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾المجادلة: 1.
وعليه، فكلمة "الزوج" مشتركة في الاستعمال بين الذكر والأنثى، ويُعرف المراد منها بحسب السياق.
و قال تعالى:﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ النجم: 45.
فالذكر زوج، والأنثى زوج، وهما زوجان باعتبار اقتران أحدهما بالآخر واختلافهما الذي تتحقق به الثنائية.
وقال تعالى:﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
الذاريات: 49.
والمراد أن الله تعالى جعل في مخلوقاته أصنافًا متقابلة أو متكاملة، كالذكر والأنثى، والليل والنهار، والحر والبرد، وغير ذلك مما يظهر فيه معنى الثنائية والتقابل.
الزوج قد تأتي بمعنى الصنف أو النوع
مثل قوله تعالى:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾الشعراء: 7.
وقال تعالى:﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾الحج: 5.
فالمراد بـ"كل زوج" هنا: كل صنف أو نوع من النبات حسن المنظر كثير النفع. أو قد يكون المراد أن لكل نبات نوعين من نفس الجنس و هذا يحتاج إلى بحث علمي و ليس من تخصصي.
وقال تعالى:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
طه: 131.
والمقصود بـ"أزواجًا منهم": فئات مختلفة من الناس الذين مُتّعوا بزينة الحياة الدنيا.
و قال تعالى ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾
الأنعام: 143.ثم ذكر الإبل والبقر.
والمقصود بثمانية أزواج: ثمانية أفراد، هي ذكر وأنثى من الضأن، وذكر وأنثى من المعز، وذكر وأنثى من الإبل، وذكر وأنثى من البقر. فكل واحد من الذكر والأنثى يسمى زوجًا، وهما معًا زوجان.
و قال تعالى:﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ الواقعة: 7.
هنا لأن كل الأنواع من أصحاب الميمنة و أصحاب المشأمة و السابقون يتكونون من الجنسين الذكر و الأنثى قال أزواجا ثلاثة.
و قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ التكوير: 7.
ذكر المفسرون في معنى الآية عدة احتمالات، منها:
أن كل نفس تُقرن بمن يشابهها في العقيدة والعمل؛ فيقرن الصالح بالصالح، والفاسد بالفاسد.
أن الأرواح تُرد إلى أجسادها.
أن المؤمنين يُقرنون بزوجاتهم التي في نفس مستواهم مثل قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ
هل تدل كلمة "الزوج" على التوافق والألفة دائمًا؟
ذهب بعض الباحثين إلى أن القرآن يستعمل كلمة "الزوج" عندما يوجد التوافق والانسجام بين الطرفين، بينما يستعمل كلمة "المرأة" عند فقدان التوافق.
ولكن تتبع الآيات يدل على أن هذه القاعدة ليست مطردة؛ لأن القرآن استعمل كلمة "الزوج" حتى في حالات الخصومة والنزاع والظهار والاتهام والطلاق.
قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾النور: 6.
فالآية تتحدث عن اتهام الرجل زوجته بالزنا، ومع ذلك سماها القرآن "زوجًا".
وقال تعالى:﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾الأحزاب: 4.
والظهار يحدث في حال النزاع والإساءة إلى الزوجة، ومع ذلك استعمل القرآن لفظ "أزواجكم".
وقال تعالى:﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾البقرة: 232.
فسمي الرجل زوجًا مع وقوع الطلاق السابق بينهما.
وقال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ البقرة: 234.
فاستعمل لفظ "أزواجًا" للنساء اللاتي مات عنهن أزواجهن.
إذن، لا تدل كلمة "الزوج" في أصل معناها على كمال الألفة أو خلو العلاقة من المشكلات، وإنما تدل أساسًا على الاقتران وقيام العلاقة الزوجية. وقد يفهم الانسجام من بعض السياقات، لكنه ليس جزءًا لازمًا من معنى الكلمة في جميع الآيات.
ثانيًا: معنى "البعل" في القرآن الكريم
يطلق لفظ البعل في الاستعمال القرآني المتعلق بالأسرة على الرجل بوصفه زوجًا للمرأة، ولا يطلق على المرأة.
فكل بعل زوج، ولكن لا يطلق لفظ البعل على الزوجة الأنثى.
قال تعالى:﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾النساء: 128.
فالمراد ببعلها: زوجها الرجل.
ولا يدل استعمال كلمة "البعل" هنا على وجود الألفة أو فقدانها، فالآية نفسها تتحدث عن احتمال نشوز الزوج أو إعراضه.
وقال تعالى على لسان سارة زوجة إبراهيم عليه السلام:
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾هود: 72.
فأطلقت سارة على إبراهيم عليه السلام كلمة "بعلي"، أي زوجي. وكانت بينهما علاقة زوجية دامت إلى الشيخوخة، مما يؤكد أن لفظ "البعل" لا يدل بذاته على فقدان المودة أو الانسجام.
وقال تعالى:﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾النور: 31.
فالمراد بـ"بعولتهن": أزواجهن من الرجال.
وقال تعالى:﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾البقرة: 228.
أي إن أزواج المطلقات الرجعيّات أحق بإرجاعهن خلال مدة العدة إن قصدوا الإصلاح.
الفرق بين "الزوج" و"البعل"
يمكن تلخيص الفرق في أن كلمة الزوج تلاحظ معنى الاقتران، ولذلك تطلق على الرجل والمرأة معًا، كما تطلق على الأصناف والأنواع المتقابلة أو المتشابهة.
أما كلمة البعل فتحدد الرجل في العلاقة الزوجية، ولذلك يقال: بعل المرأة، ولا يقال : المرأة بعل الرجل.
ثالثًا: معنى "المرأة" في القرآن الكريم
كلمة المرأة تدل في أصلها على الأنثى البالغة من البشر، وهي مؤنث "امرئ".
وقد تستعمل في القرآن للدلالة على الأنثى في مقابل الرجل، كما تستعمل للدلالة على الزوجة، بحسب السياق.
1. المرأة بمعنى الأنثى في مقابل الرجل
قال تعالى في آية الدين والشهادة:
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾
البقرة: 282.
فالمقصود هنا بيان جنس الشهود: رجل وامرأتان.
وقال الهدهد في وصف ملكة سبأ:
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾النمل: 23.
فلم تكن الإشارة إلى علاقتها الزوجية، وإنما إلى كونها امرأة تتولى الحكم وتملك قومها.
2. المرأة بمعنى الزوجة
قال تعالى:﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾النساء: 128.
فكلمة "امرأة" هنا تعني زوجة، ولفظ "بعلها" يعني زوجها الرجل.
وقال تعالى عن زوجة لوط عليه السلام:
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾الأعراف: 83. فالمراد بامرأته: زوجته.
وقال تعالى عن سارة:﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾هود: 71.
ثم قالت في الآية التالية:﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾.
فالشخصية نفسها وصفت في آية بأنها "امرأته"، أي زوجة إبراهيم، ووصفت إبراهيم بأنه "بعلي"، أي زوجي. وهذا يدل على أن استعمال "امرأة" لا يعني بالضرورة فقدان الألفة أو انقطاع العلاقة الزوجية.
هل تستعمل "المرأة" عند فقدان التوافق الزوجي؟
قد يقال إن القرآن يستعمل "امرأة" بدل "زوج" عندما لا يوجد توافق ديني أو نفسي بين الزوجين، كما في قوله تعالى:﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾التحريم: 10.
وقوله تعالى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾التحريم: 11.
فقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط مخالفتين لزوجيهما في الإيمان، وكانت امرأة فرعون مؤمنة مع كفر زوجها.
وهذا قد يكون من لطائف اختيار اللفظ في هذه المواطن؛ لأن السياق يبرز كل امرأة بوصفها شخصية مستقلة في العقيدة والمسؤولية.لكن لا يصح تحويل هذه الملاحظة إلى قاعدة عامة، لأن القرآن قال عن سارة:﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾،مع وجود الإيمان والألفة بينها وبين إبراهيم عليه السلام.
كما قال عن امرأة عمران:﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾آل عمران: 35.
ولا يوجد في الآية ما يدل على اضطراب العلاقة بينها وبين زوجها.
إذن، استعمال "امرأة" لا يدل بذاته على فقدان الانسجام، وإنما يدل في الأصل على الأنثى، وقد يراد به الزوجة عندما يكون السياق ناظرًا إليها هي، لا إلى مجرد معنى الاقتران بينها وبين زوجها.
النتيجة
يمكن تلخيص الفروق بين الألفاظ الثلاثة على النحو الآتي:
الزوج:
هو القرين المقترن بغيره، ويطلق على الرجل والمرأة، كما يطلق على الذكر والأنثى، وعلى الصنف والنوع. والمحور الأساسي في معناه هو الاقتران والثنائية، لا كمال المودة أو انعدام الخلاف.
البعل:
هو زوج المرأة من الرجال، ولا يطلق على المرأة. ويلاحظ فيه الرجل داخل العلاقة الزوجية. ولا يدل اللفظ بذاته على وجود الألفة أو فقدانها.
المرأة:
هي الأنثى البالغة، وقد تستعمل في مقابل الرجل، وقد يراد بها الزوجة. وعند استعمالها للزوجة يكون التركيز في كثير من المواضع على المرأة نفسها أو على موقفها وقصتها، لا على معنى الاقتران وحده.
و الله تعالى أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق